أبي حيان التوحيدي

117

المقابسات

[ المقدمة ] أطال اللّه حياتك ، وأعز قدرك ، وأكرم مثواك ، وقرن النّجح بسعيك ، وضاعف منائحه قبلك ، وأدامها لك ، وذبّ عنها ما يكدرها عليك . لم يذهب على حظى في البدار إلى رسمك ، والتسرع إلى طاعتك ، فيما أشرت إليه ، وحضضت عليه ، من تصنيف أشياء من الفلسفة رويتها لك ، ونشرتها عليك ، وخطبت بها رغبتك فيها ، ونشاطك لاقتنائها . وإضافة أشياء أخر تجرى معها ، وتدخل في طرازها ، وتقوّى عمدها ، وتدل على شرف جوهرها وإنافة محلها ، عن مشايخ العصر الذي أدركته ، والزمان الذي لحقتهم فيه . وو اللّه ما تلوّمت على جمعها في كتاب ، وإهدائها إليك ، في أقرب وقت ، على أيسر وجه ، إلا لعبرات هذه الدنيا واختلاف أحوال أهلها ، وتقلب ظلالها وأفيائها وخبء نجومها وأنوائها ، وقلة يقظة آبائها وأبنائها ، وانحطاط بعد رتبة بأهلها ، وفساد حال بعد حال على المتعلقين بحبلها ، الحالبين لضرعها ، النادمين في عواقبها . فقد أصبحنا في هذه الدار وكأنما هي قاع أملس ، أو أثر أخرس ، لم يبق من يرضى هديه ، أو يقتبس علمه ، أو يخطب عرفه ، أو يقتفى جوده ، أو يقتدح زنده ، أو يستفاد لفظه ، أو يتوخّى مكانه ، أو يعرف حده ، بأدب من الآداب عليه ، أو يباشّ بوجه من الوجوه إليه . وما ذاك إلا لنغل القلوب ودخل الاعراق ، وخلوقة الدين ، وغلبة القحة ، وارتفاع المراقبة ، وسقوط الهيبة ، ورفض السياسة ، والتبجح بالفحشاء والمنكر . ولعمري ما زالت الدنيا على سجيتها المعروفة ، وعاداتها المألوفة ، ولكن اشتدت مؤنتها ، وتضاعفت زينتها اليوم بفقد السائس الصارم ، وبعدم العابد العالم ، وبانقراض أهل الحياء والتكرم ، وبتصالح الناس على التعادى والتظالم . وللّه جل وجهه وتقدس اسمه ، في هذا الخلق غيب لا يعرف مآبه ، ولا يفتح بابه . ولا يقع القياس عليه ، ولا يهتدى الإحساس إليه ؛ ومن أجله سقط الاعتراض ، ووجب التسليم والانقياد . وأدع هذا فهو سلم طويل ، وفضاء عريض .